الخروج في الصحراء…نهاية عائلة من حديثة

الخميس 23 يناير 2020
| 12:53 مساءً | 781 مشاهدة
الخروج في الصحراء…نهاية عائلة من حديثة
القسم:
كلمات بحث:
شارك هذا الموضوع
Share
1+

الخروج في الصحراء
نهاية عائلة من حديثة
من كتاب (نياسم الموت)
تأليف وليد السطم الراوي

بعد أن شح الطعام والدواء، وفي صيف لهوب من الرمضاء، مقومات الحياة قد نفدت وضمور الأجسام قد ظهر، فكيف يأتي الخلاص فلا بد بالتفكير من مناص! .

 
هذه أحوال مدينة حديثة عروس الفرات عذراء الأنبار في صيف 2015، حصار فرضه الدواعش من كل الجوانب وحكومة لا تقوى على شيء أو هكذا كان يراد لها أن تكون.

 
لم يعد وسام يقوى على شيء لديه أربعة أطفال وزوجته حامل في شهرها السابع فقد نفذ كل شيء في المدينة حتى صار كيس الطحين بسعر سيارة! وأصبح كيلو الطماطم ب15000 دينار هذا إن وجد!، قرر أن يخرج من المدينة بعد أن سمع أن هناك منفذ يسير فيه المرء ساعتين أو أكثر حتى يصل إلى قرية السحل ومن هناك إلى مدينة هيت .

 
اتفق مع صاحبه الذي كان يعمل موظفا صحياً في حديثة للخروج، أخذ زوجته وأطفاله الأربعة ومعه صديقه واتجهوا جميعا نحو الصحراء، كان الخروج في الساعة السادسة فجراً من يوم 22\7\2015 وكان يوماً شديد الحر لا يطاق ولكن هكذا كان قرار رب الأسره، الطفلة الصغيرة واسمها (حوراء) ذات السنة وثمانية أشهر في حضن أمها مع حملها الثقيل، والطفل (مصطفى) ذو الخمس سنوات يحمله أبوه تارة ويجعله يمشي تارة أخرى، والآخران يسيران معهم مع أن أعمارهما (رميم )تسع سنوات و(سيف) سبع سنوات .

 
خرجوا يبتغون النجاة في صحراء غبراء تحت شمس حارقة، كان معهم من الماء ما يكفي لسويعات، ساروا متجهين نحو الجنوب الغربي، لم يكونوا ملمين بما ينتظرهم، نفذ الماء والغذاء وبدأت قواهم تتهاوى، أضاعوا الطريق وهنا بدأت المأساة، أم حامل في شهرها السابع وطفلة صغيرة جداً وثلاثة أطفال آخرين ويقف الأب وصديقه في حيرة حيث الصحراء ولا شيء سوى مصير مجهول، قواهم تتهاوى شيئاً فشيئاً، الموت الآن في الانتظار. ينظر الأب بألم إلى زوجته وأطفاله ويقول لهم لا تخافوا سننجو بإذن الله إنها المحنه وسوف تنتهي قريباً إن شاء الله، هنا قرر صديقه أن يكمل الطريق وكان وقت العصر ويأخذ معه الطفلين الكبيرين وقال لصديقه وسام الذي يعاني من مرض السكري سآتي لكم بنجدة امكثوا في مكانكم حفاظاً على صحتكما وصحة الصغيرين، كان الإرهاق قد أخذ من الأم والأب ما أخذ، جلسا في مكان مخيف لكن ليس باليد من حيله، ذهب الصديق ومعه الطفلين الكبيرين ساروا في الطريق الذي يعتقدون أنه يوصلهم إلى القرية! وحيث لا قرية! .

 
أفل الليل والمرأة المسكينة تنتظر الفرج ويمر بساعاته الطوال، مع بزوغ الفجر لم يعد وسام يقوى على التفكير فلم يعد صديقه ولا نجدة تذكر، قرر أن يتجه صوب صديقه الذي لم يعد، رغم قواه المتهالكة، وأيضا هو الآخر لم يعد!، هنا جاءت شبكة الهاتف المتقطعة فاستطاعت الزوجة أن تتصل بأمها وصوتها تحشرج بالبكاء على ما أصابهم، حكت لهم القصة، نصحتها أمها أن تتجه نحو بصيص ضوء له دلالة وذلك كان قاعدة عين الأسد، بدأت بالسير وكانت الرضيعة في سبات نتيجة العطش الشديد والطفل أيضاً فقد الوعي فأخذت تجره جراً حتى بدأ جسمه بالتآكل نتيجة احتكاكه بالأرض، اضطرت الزوجة أن تسقي ابنتها وولدها الصغيرين البول فقط لتبقيهما على قيد الحياة !

 
بدأ أهل الزوج والزوجة بالاتصال والتواصل مع الناس والتحرك من أجل إنقاذ العائلة، استطاعوا أن يتصلوا بالقاعدة العسكرية وإعلامهم بما يجري لهؤلاء الذين خرجوا طلبا للنجاة كذلك اتصلوا من خلال النت بشخص من راوه عله يستطيع أن يفعل شيئا من خلال الدواعش، ولكن دون جدوى لأن هناك فتوى من الخلافة الداعشية أنه حتى الرضيع من أهل حديثة هو مرتد! .

 
بقيت المرأة تسير وهي تصارع من أجل البقاء باتجاه القاعدة العسكرية، نعم إنه قلب ألام الذي لا يهنأ ولا يكل ولا يمل من اجل إنقاذ أولادها، إنه التعلق بأمل النجاة ففلذات كبدها يحتاجون لذلك الإحساس المرهف، تسير ولا تعرف كيف، فقط تعرف أنه يجب إنقاذ طفليها اللذين معها، تتحسس قلب طفلتها الصغيرة فتسمعه ينبض فتسارع الخطا، وبيدها الثانيه ابنها الثاني تسحب سحباً .

 
من بعيد حيث الجنود الذين سارعوا الخطى لانقاذ المرأة وطفليها، تقول المرأة: “كانا ما زالا يتنفسان ولكن بصعوبة تامه كنت أشعر بنفسيهما واشمشم رائحتهما فهما طفلاي، روحي اللتي ما برحت تبعث فيّ الأمل من أجل البقاء”.

 
ثم مات الطفلان لم يكن هناك امكانية في انقاذهما من شدة عطشهما، وألام الثكلى تنهار في الأرض حزناً على من فارقها وتشكو إلى الله ظلم الظالمين المأجورين الذين كانوا سببا فيما جرى لهم فهذه مشيئة الله في نهاية الامر.

 
أما الزوج وطفلاه الآخران وصديقه فلا يوجد لهم اي أثر أو خبر، فحرارة تموز وعطش مقيت في صحراء مقفرة قد ابتلعت هؤلاء المساكين .

 
بعد ثلاثة أشهر إلا أربعة أيام من الحادثة الفاجعة ولدت الأم الحامل بولد أسمته محمد تيمناً برسول الله صل الله عليه وسلم، هذا هو قدرك يا محمد ان تعيش لتقص للاجيال اللاحقه ماذا جرى لأبيك وصديقه وإخوتك الأربعة من مأساة كان سببها أُناس جاءوا من خلف الحدود بأفكار لا تتطابق مع أفكارنا ولا ايدلوجيتنا في تطبيق شريعة سمحاء يكون السلام عنواناً والرحمة المهداة طريقاً للفوز بالجنان .
✽ ✽ ✽

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشوائياً
الأكثر تعليقا
More
جميع الحقوق محفوظة لـ وكالة الانبار نيوز 2020 .